نبوءة المدرب المحققة لذاتها

 

    قبل مدة اضطررت أن أصلح ماء تسرب في منزلي، فشاهدت وصفًا مصورًا من خلال اليوتيوب عن المشكلة وطريقة حلها، وحاولت أن أعمل على تقليد الحل، ولكن باءت جميع محاولاتي بالفشل الذريع، فقمت وأحضرت عاملًا لإصلاحه وقام بمنع التسرب واصلاح الخلل بطريقة غريبة، والنتيجة هي أن توقف التسرب بعد ويلات وويلات، وبعد مدة حدثت نفس المشكلة فقررت أن أفعل الشيء بطريقة صحيحة وأن أحضر جهة متخصصة بهذا الموضوع لمنع التسرب من جذوره وتم الأمر لله الحمد والمنة.

    دعيت قبل مدة للمشاركة في إحدى الدورات التدريبية، والمدّرب سلمه الله كان مبهرًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، متحدث لبق، سريع الفطنة، واسع الاطلاع، ذكي الملامح، متفاعل لآخر حدود التفاعل. ولكني للأسف لم أخرج بفائدة واحدة من هذه الدورة سوى قصص جميلة وطاقة ايجابية نحو الكون والإنسان والحياة.

    ما يحدث هو أن الكثير من الألمعيين، المتحدثين اللبقين وأصحاب الخطابة المبهرة الذين يعملون مدربين، يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على الإبهار والتفنن في تناول الموضوع وطرق الكلام دون تقديم لمحتوى أو ممارسة عملية، وهم يعملون عملي عندما قررت أن أصلح تسرب الماء من خلال مشاهدة اليوتيوب، وهم كالعامل عديم الخبرة الذي أحضرته وجعلني وأسرتي نتراكض بالبيت في محاولات يائسة لمساعدته.

الكثير من الألمعيين، المتحدثين اللبقين وأصحاب الخطابة المبهرة الذين يعملون مدربين، يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على الإبهار والتفنن في تناول الموضوع وطرق الكلام دون تقديم لمحتوى أو ممارسة عملية

 

    كثير من أصحاب الفطنة والذكاء والخطابة المبهرة جعلوا التدريب مهنة لهم، وأصبحت هذه المهنة سببا من أسباب رزقهم المادي والمعنوي. وعلى ماذا يدربون؟ تقريبا يدربون على كل شيء فالمالية والإدارة والقيادة والاستراتيجيات والتربية . والتفكير والتحليل وخطوط الانتاج والمبيعات والتسويق .. والقائمة تطول، وللأسف يقدمون أنفسهم على أنهم مدربون متخصصون بها جميعا.

    المدّرب بأبسط وصف له هو من يعمل على تقديم أفضل الممارسات العملية في علم ما Best Practice، بعد أن تكونت لديه خبرة تطبيقية طويلة في هذه الممارسات، وكانت قد تجمعت لديه المعرفة العلمية العميقة من أين أتت هذه الممارسات وعلى ماذا تستند علميا ويتمتع بمهارات التدريب.

    المدّرب الخطيب والمبهر الذي لا يقدم محتوى، يعتمد اعتمادًا كبيرًا على شخصيته وحركاته ومهاراته في التدريب وطرق اتصاله بالآخرين، أظنه في بداياته المهنية كان لديه محتوى وتطبيق عملي في علم ما، وطُلب منه أن يدرب فنجح بذلك وأبهر المشاركين، ولكن ثقته بنفسه، وتفاؤل الآخرين به تقوده أن يخوض علومًا ومعارف أخرى لا قِبل له بها؛ اعتمادًا على قدراته الشخصية البحتة وطرق تواصله، فهو متخصص في التعليم مثلًا ولكنه لا يعلم أي شيء حول التخطيط الاستراتيجي، ولم يفعل خطة حقيقية في حياته، أو أن يكون قد نفذها أو أنه أشرف عليها، وجل ما لديه هو قراءات حول التخطيط الاستراتيجي من كتب جميلة ومراجع عميقة ودورات تدريبية من هنا وهناك، ولكنه يدفع بنفسه ليتقدم مدربًا محترفًا في هذا المجال.

 

    ما يحصل عندما يقرر المدرّب أن يخوض غمارًا لا قِبل له بها، هو أن بوصلته قد انحرفت، فنسي أو تناسى المبادئ التي يقوم عليها التدريب وما هو دوره مدربًا، فحجم الانبهار في عيون المشاركين وكلمات الثناء والاطراء تلعب بالنفس لعبها، وترفع من نسبة الجرأة على الغمار وتسلق القمم، فتبدأ نبوءة عيون المشاركين وكلمات الثناء والإطراء، وما يجري في النفس من فخر وزهو تحقق ذاتها عنده، فيبدأ بالتدريب على علوم أخرى نظرًا لسهولة الموضوع بظنه، واعتمادًا على شخصيته الإبهارية، فيكون النتاج ضعيفًا ويقل جودة عن المتوقع، كمثل الدورة التدريبية التي دُعيت لها.

    هذا الشعور الوهمي هو ما يدعو الكثير من البسطاء للمشاركة في المسابقات الغنائية أو النجومية، أو الشعرية في برامج تلفزيون الواقع، فيصبحوا أضحوكة، تتقطفهم القنوات التلفزيونية لتصنع من أدائهم مادة ساخرة تقدمها للمشاهد ليستمتع بها وتسليه

 

 

    أن يقال لشخص ما أنه ذكي أو أن صوته جميل أو أنه شاعر بالفطرة، من قبل أشخاص يلتقي بهم بطريقة عشوائية بدون ترتيب مسبق بينهم، وعلى فترات زمنية متباعدة، يجعل هذا الشخص يتبنأ لنفسه بذلك، بل ويصبح هو ذلك الشخص الذكي، أو صاحب الصوت الجميل، أو الشاعر المخضرم، ويبدأ بالتعامل مع الدنيا على هذا الأساس، وهنا تصدق نظرية النبوءة المحققة لذاتها وهي شيء طبيعي يحدث للبشر. ولكن في حال كان هذا الشخص ليس ما هو عليه أو بما يتنبأ به الآخرون أو بما يتنبأ به لنفسه، سيكون الأمر مختلفًا حيث أنه سيبدأ بالتعامل مع الأشياء بناء على معطيات ليست حقيقية وقد تصل لأن تكون وهمية.

    إن هذا الشعور الوهمي هو ما يدعو الكثير من البسطاء للمشاركة في المسابقات الغنائية أو النجومية، أو الشعرية في برامج تلفزيون الواقع، فيصبحوا أضحوكة، تتقطفهم القنوات التلفزيونية لتصنع من أدائهم مادة ساخرة تقدمها للمشاهد ليستمتع بها وتسليه.

    التدريب نقل المجتمعات من مستوى معرفي ومهني إلى آخر وما زال، وهو ما جعل هذه المجتمعات غير ما هي عليه سابقا؛ فالجميع يتدرب بلا اسثناء، وما الخبرة التي تكون لشخص إلا تراكم لممارسات تمت عن طريق التدريب، سواء ما أخذه من آخرين أو مارسه هو نفسه من محاولة وخطأ. فلا تشوهوا التدريب بأن تجعلوه بلا محتوى وتذكروا أن من يدعي التدريب دون معرفة بالممارسات العملية في العلم الذي يدرب، هو ذاك الشخص الذي يخرج على برامج الواقع التلفزيونية ليضحكنا.

 

مشاركة

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

2017 © جميع الحقوق محفوظة لشركة رواد المعرفة للتدريب والتعليم

Please publish modules in offcanvas position.